السبت، 11 يونيو، 2011

السياسة تشكل عقول الأطفال و تدير سلوكياتهم و تقطع أواصر الترابط الاجتماعي ..

من آهات الاحتلال إلى أنين الفرقة الفصائلية   

السياسة تشكل عقول الأطفال و تدير سلوكياتهم و تقطع أواصر الترابط الاجتماعي

فلسطين الحبيبة، أرقبك من شرفتي و أنا أراك تسقطين ورقة بعد ورقة في خريف الزمن، و خيارات الصمت تكتنف المُحيّا، كلما تقاطرت من فم القلم الذي شهد انفراط العقد الفلسطيني تحت عناوين يحملها الفرقاء، وتلعثُم و حشرجة أنفاسه حين تشابكت الحروف في سرد الآثار النفسية التي رصدتها عيون الكاميرا أو حالت دونها العيون ورُصدت من ألسنة القاطنين على قارعة الطرق، نحمل في طيات هذا التحقيق، تأثير التجاذبات السياسية على الحياة الاجتماعية وعلى السلوك الفردي و الاجتماعي ابتداء بالطفل و انتهاء برأس الهرم الأسري ومروراً بتأثيرها على العلاقات الاجتماعية التي باتت مهددة بالانهيار. و كيف يمكن التقليل من حجم التأثير النفسي لنواتج الفرقة الساسية على الأفراد داخل الأسرة؟ وهل للعمل الجماعي دور في تحسين الأداء و التخلص من عيوب الناتج السلبي للنزاعات؟      

"ليش شاري هادي اللعبة؟ مش حكينا بدناش اللون الأخضر ؟" يبادر شاب ذو الاثنين والعشرين عاماً بسؤال ابن أخيه ذو الثلاثة أعوام، فجاء رده بطفولته البريئة، "ليش، مش حلوة، هيا أحلى لعبة في المحل"، فيقول الشاب بلهجة حازمة،" لا نريد هذه اللعبة، ولا نريد هذا اللون، استبدلها أو ارمها، و سآتي لك بأخرى أفضل و أغلى منها"، وحينما يسأله الطفل عن سبب ذلك  يشير له أنه لون الفصيل المخالف له، و يقبل الطفل بثقافةٍ لم يُخيَّر بقبولها، لعله حوار يثير العجب والتساؤل، لكنه واقع نحياه و نعايشه و نرى نتائجه على أرض الواقع".

وفي سلوك آخر من سلوكيات اعتدنا رؤيتها و سماعها في أوقاتنا هذه لكننا لم نكن نسمع بها من قبل حيث  كانت العلاقات الأسرية و الاجتماعية تمثل مفهوم القداسة خصوصاً في الأفراح و المناسبات السعيدة التي كانت ملتقى و محفل لأفراد العائلة فتحدثنا إيمان عن امتناع أعمامها حضور زفافها أنهم من فصيل مختلف عن فصيل زوجها الذي قوبل بالرفض من قبلهم، لكن بعد موافقتها و موافقة والدها التزم أعمامها الصمت لكنهم لم يحضروا حفل زفافها الأمر الذي أثر على علاقتهم الاجتماعية وقاطعوا والدها مدة من الزمن لموافقته عليه، و بعد مدة وجيزة تم الصلح.

وفي مشهد آخر من مشاهد حياة يومية يرفض طفل ذو الخمسة أعوام تلوين النجمة باللون الأصفر حينما طلبت المُدرسة من الأطفال في الروضة تلوين النجمة باللونين الأصفر والأخضر، فيقول الطفل"بديش ألون في اللون الأصفر، أنا حماس بدي اللون الأخضر "، و بينما تصر المُدرسة على استخدام اللونين يصمم الطفل على عدم استخدام الأصفر، و تبوء محاولاتها بإقناعه بالفشل، فتتركه المدرسة لاستكمال الدرس.            
              
وفي لون مختلف لثقافة سادت بين أفراد المجتمع، تقول أم أحمد، في كل حوار أو مناقشة تدور داخل المنزل ،لابد وأن تدخل بها السياسة ويتعارك أبو محمد "الزوج" مع ابني الكبير، حيث كلاهما ينتمي لفصيلين مختلفين، وفي كل أزمة سياسية وعند كل مطب، يُلقى كلا منهما اللوم على الفصيل الآخر وتكون خاتمتها بالنرفزة والغضب وتجنب كلاً منهما الحديث مع الآخر، و يبقى الوضع هكذا ثم يتصالحوا، و يعود لنفس الموال في حدث آخر، فأصبحت أكره الجلوس معهم، أنا و الأولاد، و إذا شعرت أنهم  بدءوا في جولة حواراتهم آخذ الأبناء و نجلس في غرفة أخرى، لأنني مللت سماع مناقشاتهم، كما أنني لا أريد للأطفال أن يتأثروا بهم".

قطع العلاقات

وفي انعكاس آخر لحالة المجتمع الفلسطيني، يحدثنا أبو سيراج عن تجربته مع أبنيه، أحدهما مستوى أول و الآخر مستوى ثالث فيقول:"حقيقة أثرت الأوضاع الراهنة على الأسر بشكل كبير جداً، أدت إلى تفكك و انهيار في مستوى العلاقات بين الأخوة داخل الأسرة فعلى سبيل المثال، أذكر حالة أبنائي الاثنين اللذين لم يحادثا بعضهما البعض منذ أحداث الحسم العسكري حيث كلاهما منتمي لفصيلين مختلفين، فتشاكلا مع بعضهما البعض منذ ذلك الوقت، و بعد مدة طويلة حينما هددتهم بترك المنزل في حال بقيا على هذا الحال، فاستجابا لتهديداتي".

وفي زاوية أخرى من زوايا التأثيرات الاجتماعية لحالة التفكك التي تصيب صلب العلاقات الاجتماعية حتى في أبسط العلاقات بين الأفراد وأي أفراد، هم أساسٌ في عملية التربية والتنشئة الاجتماعية وإحدى دعائم مؤسسات التربية ففي إحدى المدارس الابتدائية، تنقسم المدرسات إلى فصيلين مختلفين، فلا يجلسوا في مجالس بعضهم، فلا مجلس و مناسبة ولا مائدة تجمعهم، وعند اشتداد الأزمة على الصعيد السياسي الرسمي تشتد المشاحنات والمشادات الكلامية التي تنتهي بتنازل الطرف الآخر و انسحابه على حد وصف إحدى المدرسات التي تقول:" في البداية كنا نسكت على الشتائم التي تُكال للفصيل الذي ننتمي إليه بمجرد رؤيتنا، لأننا في مدرسة واحدة، و يجمعنا حق الزمالة، و كنا نبادرهم بالسلام، و نتجاذب معهم أطراف الحديث، لنُحدث نوع من الألفة بيننا، و كنا نُقابل بالصد و عدم التجاوب إلا ما ندر منهم، و حتى من كان يحادثنا من مجموعتهم، كانوا يقاطعونه، ونحاول عمل وجبات تجمع الجميع لخلق جو من الألفة و يتم التجاوب بعد عدة محاولات، و لكن ما إن يحدث أمراً سياسيا رسميا حتى يعود الحال عما هو عليه سابقاً.

حتى المُربين

حتى الأطفال والشباب الذين يعايشوا حالة المجتمع الفلسطيني، تأثروا بمجمل المتغيرات العامة التي أصابت كبد المجتمع، فالشاب أحمد الشاويش  ذو السابعة عشر من عمره، يحدثنا عن الصراعات الطلابية التي تحدث في مدرسته جراء الأحداث الجارية على الساحة السياسية، فيقول:"أثرت الأحداث السياسية على الطلبة في المدارس بشكل يصعب تصديقه، فالسياسة أكلهم ومشربهم وملعبهم، وحتى دراستهم، فلا تمر حصة إلا و يدور الحديث عن فصيل كذا و فصيل كذا، و لا يخلو حديث بين الحصص عن نفس الموضوع و تصل في بعض الطلبة إلى حد الشتم و مد اليد على بعضهم، ولعل الحادثة التي تركت صداها في أجواء المدرسة بين الطلبة، حينما طعن شاب، شاب آخر على جانب بطنه الأيسر، حيث كان يدافع كلا منهما عن فصيله فاشتد الحوار، الأمر الذي قاد بالشاب بإخراج موس من جيبه، وطعن زميله، و تم نقل الشاب إلى المشفى بينما أّخِذ الآخر إلى الشرطة، و لم يقتصر الأمر على ذلك، فما زاد الطين بلّة تدخل العائلتين و إدخال الفصائل في القضية التي لم تًحل إلا بعد جهد مضنِ و تدخل الوجاهات.

و تقول المرشدة النفسية إيناس المصري، مرشدة نفسية في إحدى المدارس الثانوية، معظم المشكلات التي ترد من الطالبات في هذه الفترة تتمثل في الصراعات السياسية التي تدور على الساحة الفلسطينية، فيتحدثون في السياسة في بادئ الأمر ثم تصل إلى حد استخدام الألفاظ المسيئة، فتتعارك طالبتين، على حدث معين و كُلا منهما تلقي اللوم على الفصيل الذي تنتمي له الأخرى، و يأتي من الطالبات من يؤيد هذه و تلك، و يًنشئوا تحالف حزبي، داخل الفصل، بل و يمتد إلى الفصول الأخرى، الأمر الذي يؤثر  على علاقاتهم مع بعضهم البعض، لذلك كانت جميع حصص الإرشاد في تلك المرحلة و حتى هذا اللحظة حول هذا الموضوع".

التأثير الاجتماعي

بعد هذه الجولة من اللقاءات فتحنا المجال للاجتماعيين والنفسيين  للتعرف على تأثير البيئة الاجتماعية المحيطة بالأفراد ومدى قدرتها على تشكيل ثقافتهم و سلوكياتهم، التقينا د. عماد اشتية تخصص علم اجتماع  والذي أرجع معرفة ثقافة أي مجتمع إلى ثلاث محددات تتمثل في السلوك، والتفكير، والمشاعر.

وأوضح قائلاً :"عادة نستمد هذه المحددات من البيئة الثقافية التي ننتمي لها، فإذا كانت البيئة الثقافية سلميّة يكون سلوكاً سلمياً، و إذا كانت البيئة عدوانية وعنيفة يكون السلوك عنيفاً وعدوانياً، فالناس انعكاس لهذه البيئة الثقافية "انعكاس تطابقي وكلي"، و نحن صورة ثقافية للبيئة التي نعيشها".

وفي انعكاس واضح للبيئة على الفرد ظهرت جليا في لعبة يتداولها الأطفال فيما بينهم تتمثل في وجود فريقين أحدهما يرتدي الزى الأخضر و الآخر يرتدي الزي الأصفر، و يتصارع الفريقين حتى يقتل أحدهما الآخر و ينتصر عليه، مع العلم أنها دبلجة للعبة روسية تم إدخال الألوان عليها من قِبل أحد الأفراد .

فيعلق د. اشتية على ذلك قائلاً:" المحيط الاجتماعي فيه شبكة علاقات والبيئة الثقافية هي التي توجه هذا السلوك، فالطفل يتأثر بما يدور حوله من أحداث و يتأثر بالثقافة السائدة المحيطة به، و يعتمد على أنماط السلوك التي نُعوِّده عليها، و إن اعتاد على نمط معين كأن يشب على منهج التفرقة و كره الطرف الآخر، ينشأ وهو متشبعاً بتلك الأفكار التي ترافق سلوكياته في جميع مراحل نموه، طالما بقيت على حالها، ولم تتواجد عوامل مضادة تصحح هذه المعلومات التي أصبحت بمثابة خلفية مرجعية للطفل و يعتبرها عين الصواب، لذلك على الآباء والأمهات مراعاة الجانب التكويني للطفل، وتنشئته و تشبيعه بالأفكار الوحدوية و قبول الطرف الآخر و الالتقاء معاً على المواقف المشتركة، والتأكيد على وحدة الدم و الدين ومحبة الآخرين  على اختلاف وجهات نظرهم، فيجب التمثل بمبدأ، "أختلف معك في وجهة نظرك لكني أحبك و أقاتل من أجلك"، ويجب على الأهالي منع تداول مثل هذه الألعاب التي تغرس فيهم قيم الفرقة، حتى و إن كانت مجرد لعبة يلهون بها، لأنها تتسلل إلى عقل الطفل الباطن،  فيشجع الفريق الذي يحبه، ويستسيغ مفهوم القتل للطرف الآخر و يصبح أمراً اعتيادياً لديه، والكارثة الحقيقية تكمن في تنشئته على هذا النمط الذي يفكك المجتمع و يقطع أوصاله.

الطفل مراقب و مُقلد

وفي تشخيص لحالة الطفل يقول د. اشتية:" الطفل في بداية حياته مراقب و ليس صانع، و يحب التقليد ليعطي انطباع أنه جزء مهم في الحياة, فيقلد الآخرين في سلوكهم. كذلك أي طفل يحب أن يكون لديه قدوة و يسعى أن يكون سلوكه مشابهاً لسلوكهم" والمثل الأعلى للطفل عادة ما يكون من الأهل، و تتسع  عبر المراحل العمرية له"، كما أن الطفل يحب استكشاف الأشياء من حوله التعرف عليها وممارستها و معرفة ما يدور حوله من  أحداث"فيتأثر بما يدور حوله من أحداث تلقائياً و تشكل لديه نواة معرفية تتنامى عبر مراحله العمرية.

ويتابع د. اشتية :"الأحزاب السياسية موجودة داخل الأسرة الواحدة وأي انقسام يؤثر على بنية الأسرة و يفكك أهم مؤسسة مجتمعية ويدمرها، لذلك على الأسرة والوالدين الاهتمام منذ البداية بعدم ترك أبناءهم للصراعات و توجيههم وتوحيدهم على منهج الإسلام والدين، و تبيان معالم الخطأ والصواب، وإن وجدوا صعوبة في ذلك، لكن يجب عليهم عدم ترك أبناءهم فريسة للتأثر بما يدور حولهم من أحداث، لأنه يؤدي إلى ضياع الأسرة".

على الجميع تحمل المسئولية

وكان لنا لقاء مع أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعات غزة عرفات حلس الذي قال:" الأسرة هي النواة الأولى والركيزة الأساسية للمجتمع وهي جزء من كل متكامل، تؤثر به و يتأثر بها، و الحالة الفلسطينية التي يعيشها الشعب الفلسطيني تؤثر على الأسرة و مكوناتها بشكل أساسي، و يكون للطفل نصيب الأسد من هذا التأثير إضافة إلى تأثيرها على باقي مكونات الأسرة من أبناء و بنات و الأب و الأم".

ويرجع حلس قوة تأثيرها على الطفل؛ لأنه يكون عبارة عن لبنة لينة، يتم تشكيلها من البيئة المحيطة من حوله، و تتمثل في مراحله الأولى في الأسرة ثم تبدأ دائرة التأثير تتسع عبر مراحله العمرية المتتابعة من خلال المدرسة والمسجد و المؤسسات المجتمعية، لذلك على الأسرة أن تكون شديدة الحذر في التعامل مع الطفل و تشريبه ثقافة المودة و الأخوة و عدم الفرقة و تعويده على محبة الآخرين و إبعاده قدر الإمكان عن الحالة السياسية السائدة في المجتمع و تجنيبه أماكن المشادات و الصراعات سواء كان داخل المنزل خصوصا بين الأب وابنه الكبير مثلا كما في الاستطلاع، أو مشاهدته للمشادات الحوارية عبر شاشات التلفزة لذلك على الأم في  هذه الحالة إبعاده قدر الإمكان عن التجاذبات التي تحدث حتى لا يتشرب ثقافة الكره و الحقد للطرف الآخر .

وأما بخصوص اللعبة ذات الأصل الروسي التي طرقت عقول أبنائنا الأطفال يعلق حلس:" يبدأ الطفل بالتعامل مع المعركة بتأييده للفريق الذي اعتاد أهله ووسطه المحيط به تأييده، فيؤيده و تكتمل تفاصيل اللعبة بتصفية فريق، و هذا الأمر يزيد من رصيد الأرواح له في نظام اللعبة، الأمر الذي يخلق بذهن الطفل أن قتل الطرف الآخر يعزز مسلكا صحيحا وله مردود إيجابي، والأمر الأكثر خطورة هو تمرير معلومة سهولة القتل للطرف الآخر ومن ثم استساغته، فيصبح أمراً اعتيادياً يمكن القيام به، فيتأثر به فكراً و ثقافة وسلوكاً، فينشأ على هذه الثقافة التي تدمر و تفكك بنية المجتمع، لذلك على الأسرة متابعة أبنائها وضرورة إتلاف مثل هذه الألعاب التي يستغلها البعض من المستفيدين على حساب جراحات الشعب و أوجاعه دون مراعاة للدين والقيم والأخلاق".

وأما عن تأثير ذلك على الأسرة فيقول حلس:"يساهم مساهمة فعالة في قطع أواصر الترابط والتلاحم بين أفراد المجتمع ابتداء بالأسرة كأفراد و انتهاء بالمجتمع و الجماعات المترابطة و العائلات، فنحن نلاحظ في بعض العائلات التي تنقسم إلى عدة فصائل، عند اشتداد الأزمة السياسية على الصعيد الرسمي تشتد المشاحنات بين أفراد العائلة فلا يلتقوا في مناسباتهم و أزماتهم، الأمر الذي يؤثر على ترابط المجتمع و يهدد بانهيار علاقاته".

و يطالب حلس :"على الجميع سواء في المساجد أو في المدارس وهي المؤسسة التربوية الأساسية التي تساهم في بناء الطفل والفرد أن تأخذ دورها إزاء الأحداث الراهنة و استخدام كافة الأساليب والوسائل التربوية التي تعزز قيم الوحدة، كذلك على مؤسسات المجتمع المدني و الوسائل الإعلامية و كل من يمثل مؤسسة تربوية فعالة أخذ دوره و تحمل المسئولية في تعزيز جوانب التربية الوحدوية".

حركات التبادل و التفاعل

وتحدث الكاتب محمود الربيعي في موضوع السلوك الاجتماعي في حركة المجتمع والتفاعل المتبادل بين الفرد والمجتمع للارتقاء بالمجتمع ونبذ العصبية الحزبية فيقول:"التحصيل الجيد للتعامل اليومي بين الإنسان وبقية الناس يتوقف على مقدار التلقي الحسن للتدفق المعرفي والثقافي والأدبي والأخلاقي من المحيط، وكيفية التعاطي بهذه المعارف مع الآخرين يضاف إلى ذلك التفاعل الايجابي معها بالطريقة التي تكفل تطوير قابليته، بحيث يكون منتجاً في حركته الاجتماعية، إذ أن سلم السلوك والارتقاء يتوقف على مقدار الامتصاص الجيد للثقافة والعلوم والقدرة على التفاعل مع الأجواء النزيهة والمجتمع الذي يبني ولا يهدم (إنهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدى) سورة الكهف الآية 13 .

و يُبين الربيعي دور الجماعة و تأثيرها في البناء الاجتماعي فيقول:"تعمل الجماعة على إعانة الإنسان لحل مشاكله وتتفقد أحواله وتعالج أزماته، وفي أوساط الجماعة الصالحة تتوازن الأمور وتنعدم الازدواجية، وتقيم الأمور وفق تنفيذ البرامج وطبيعة الالتزامات والواجبات ونسب انجاز المهمات والأهداف (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) حديث شريف.

ويوضح الربيعي أثر الثقافة الدينية والأخلاقية والتربية النفسية وبقية العلوم التي يعتبرها مفتاحاً للعمل الناجح، ويستدرك :"كلما زادت المعارف عند الفرد انفتح على المجتمع وتفاعل معه وأثر فيه وتأثر به، ومن خلال التواصل والعقد الاجتماعي يمكنه من إقامة العلاقات الاجتماعية والاندماج في العملية السياسية التي يثمر عطاؤها الاقتصادي والأمني بشكل مفيد"، و يتابع :" إن حلقات التطور في الجانب الإنساني تبدأ من داخل الأسرة والنظام العائلي وتستمر في المدرسة والجامعة والمسجد والأندية الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية ومن ثم تظهر على شكل المسؤولية في الوظيفة وإدارة الدولة، فإذا لم يمر الفرد بهذه المراحل بالشكل الصحيح أو يتفاعل مع مجتمعه ومع العلوم والمعارف، تحمل المجتمع عبء هذه الجهالة ونتج عن ذلك مجموعة من السلوكيات الضارة بالمجتمع"

التفسير الأنثروبولوجي للعداوة

وفي دراسة للدكتور عز الدين دياب/دكتوراة دولة في الأنثروبولوجيا السياسية، باحث ومحاضر في جامعة دمشق بعنوان التفسير الأنثروبولوجي للعداوة بين الأحزاب القومية يُعرف العداوة السياسية بأنها ذلك السلوك السياسي الاجتماعـي المصحوب بالكره وعدم الرضى والانتقام، والإحساس بعدم المساواة واللجوء للثأر واستخدام القـوة والأذى النفسي والاجتماعي والمادي. وأيضا السلوك السياسي غير السوي الذي يقوم أو يقع بين الأحزاب السياسية، أو بين الأحزاب والدولة.

و يستنبط د. دياب تفاوت العداوة في مردودها وفعلها العدواني باختلاف وتنوع الثقافة السياسية بما تحمله من قيم وأعراف ومصطلحات أو مفردات سياسية. و اختلافها أيضاً باختلاف مبدأ القـوة واستعمالاته. سواء كانت قوة الدولة، أو قوة المعارضة، وآلياتها المستخدمة في المجال السياسي.

و عمد د. دياب إلى طرح البدائل الثقافية الاجتماعية البناءة، مثل تقوية الحوار الاجتماعي بوصفه سلوكاً اجتماعياً وسياسياً يجب أن يسود ويقوى بين الأحزاب السياسية، وتنمية القواسم المشتركة وتفعيلها. وهذا يستوجب إظهار ما للعداوة من أدوار ووظائف تصل إلى مستوى تسهيل الاختراق الخارجي، ووقوع الاعتداءات المتكررة على الأمة.

التسميات:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية